أوكرانيا اليوم / كييف / لا تمثل الأغاني الشعبية في أوكرانيا وسيلة للترفيه فحسب، بل تعد سجلًا حيًا لتاريخ الشعب وذاكرته. فعبر الأجيال، نقل الأوكرانيون من خلالها قصص القوزاق والحروب والحب والهجرة والعمل في الحقول، إلى جانب تقاليد الزواج والأعياد والمناسبات الدينية. وتتنوع الأغاني الأوكرانية بين أغاني الحصاد والربيع والزواج والتهويدات وترانيم عيد الميلاد، بالإضافة إلى الأغاني التاريخية والقوزاقية. وقد ساعد انتقالها شفهيًا داخل الأسر والقرى في الحفاظ على اللغة الأوكرانية ولهجاتها، خصوصًا خلال الفترات التي تعرضت فيها اللغة والثقافة الأوكرانيتان للتهميش والقيود.ومن أهم أشكال هذا التراث ملاحم «الدومي»، وهي قصائد غنائية طويلة تتناول بطولات القوزاق وأسرهم ومعاركهم ودفاعهم عن الأرض.
وكان يؤديها موسيقيون جوالون يُعرفون باسم «الكوبزاري»، وكثير منهم كانوا من المكفوفين، مستخدمين آلات تقليدية مثل الكوبزا والباندورا. ولم يكن الكوبزار مجرد موسيقي، بل كان راويًا للتاريخ وحاملًا لذاكرة المجتمع. فقد تنقل بين القرى والأسواق، وروى من خلال أغانيه أحداثًا وقصصًا لم تكن مدونة أو متاحة لعامة الناس. وتعرض العديد من موسيقيي الكوبزار للاعتقال أو القتل خلال حملات القمع الستالينية في ثلاثينيات القرن العشرين. ولهذا أصبحت التسجيلات القديمة المحفوظة في الأرشيفات ذات قيمة كبيرة؛ لأنها وثقت أصواتًا وأساليب موسيقية كادت تختفي.وتبرز أغاني القوزاق في منطقة دنيبروبتروفسك مثالًا واضحًا على ارتباط الموسيقى بالذاكرة الوطنية. فهي تروي مآسي الحرب وحياة الجنود القوزاق وعلاقاتهم بأسرهم ومجتمعاتهم. وفي عام 2016، أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، بسبب تقدم معظم حاملي هذا التراث في السن وضعف انتقاله إلى الأجيال الجديدة. ومن أشهر الألحان ذات الجذور الشعبية الأوكرانية أغنية «شِدريك». فقد أعاد المؤلف ميكولا ليونتوفيتش صياغة لحنها الشعبي القديم في عمل كورالي شهير. ثم حملتها الجوقة الجمهورية الأوكرانية إلى العالم خلال جولاتها بين عامي 1919 و1924، بوصفها جزءًا من الدبلوماسية الثقافية لجمهورية أوكرانيا الشعبية. وفي عام 1936، وُضعت للحن كلمات إنجليزية جديدة، ليصبح معروفًا عالميًا باسم «Carol of the Bells». ومن المهم توضيح أن النسخة الإنجليزية ليست ترجمة للكلمات الأوكرانية؛ فالنص الأصلي يتحدث عن طائر السنونو الذي يبشر الأسرة بالخير والرخاء، وليس عن أجراس عيد الميلاد. وهناك أيضًا أغنية «أوي، أو لوزي تشيرفونا كالينا»، أي: «في المرج انحنت الكالينا الحمراء». ارتبطت صيغتها الوطنية المعروفة بستيبان تشارنيتسكي عام 1914، مع اعتمادها على جذور قوزاقية أقدم. وانتشرت بين رماة السيتش الأوكرانيين خلال الحرب العالمية الأولى، ثم أصبحت رمزًا للنضال من أجل الحرية. وعادت الأغنية بقوة بعد بداية الغزو الروسي واسع النطاق عام 2022، عندما غناها أندريه خليفنيوك، قائد فرقة «بومبوكس»، في ساحة صوفيا بالعاصمة كييف. وانتشر التسجيل عالميًا، واستخدمته لاحقًا فرقة «بينك فلويد» في عمل موسيقي تضامنًا مع أوكرانيا. ومنذ بداية الحرب، عادت الأغاني التراثية والوطنية إلى الجبهات والملاجئ والساحات العامة. فهي ترفع المعنويات، وتوحد الناس، وتساعد اللاجئين والأطفال المقيمين خارج البلاد على الاحتفاظ بلغتهم وصلتهم بالوطن. وهكذا، لم تكن الأغنية الشعبية الأوكرانية مجرد لحن موروث، بل كانت وسيلة لحفظ اللغة والتاريخ والرموز الوطنية. فمن ملاحم القوزاق إلى «شِدريك» و«الكالينا الحمراء»، أثبتت الموسيقى قدرتها على ربط الماضي بالحاضر، والحفاظ على هوية الشعب الأوكراني في مواجهة الحروب والقمع ومحاولات الطمس.

أوكرانيا اليوم
اقرأ المزيد:
عين على أوكرانيا:موسم “الدراجات النارية” 2015 في أوكرانيا(فيديو)
أوكرانيا اليوم أوكرانيا اليوم – الصحيفة الأخبارية الأوكرانية العربية – أوكرانيا
