د. خالد العزي / لا تزال المملكة العربية السعودية تحتل موقعا محوريا في منظومة العلاقات العربية، انطلاقا من ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها الإقليمية، فضلا عن دورها في دعم استقرار الدول العربية والحفاظ على أمنها. وفي ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتصاعد التوترات والهجمات الإيرانية والإسرائيلية، تبرز السياسة السعودية بوصفها سياسة تسعى إلى حماية الدول العربية وصون أمنها، مع التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
رؤية المملكة العربية السعودية
وتقوم الرؤية السعودية، في هذا السياق، على اعتبار الأمن القومي العربي قضية أساسية لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفا ثانويا أو هامشيا، بل هو خط أحمر ينبغي الحفاظ عليه في مواجهة أي محاولات تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة أو التدخل في شؤون الدول العربية. ومن هذا المنطلق، تتحرك المملكة في ملفات المنطقة وفق حسابات سياسية وأمنية واقتصادية ترتبط بالحفاظ على الاستقرار ومنع توسع الأزمات والصراعات. وقد أظهرت التطورات الإقليمية أن السعودية لا تنظر إلى أمنها بمعزل عن أمن محيطها العربي، بل ترى أن استقرار الدول العربية يرتبط بصورة مباشرة باستقرار المنطقة ككل. ولذلك، فإن أي اضطراب أو تهديد يطال دولة عربية يمكن أن ينعكس على منظومة الأمن الإقليمي، وهو ما يجعل التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية قائما على رؤية أوسع تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
الأمن العربي خط أحمر بالنسبة للمملكة العربية السعودية
وفي مواجهة ما يمكن أن ينظر إليه على أنه محاولات لتعكير الأمن العربي أو التأثير في استقلال القرار العربي، تؤكد السياسة السعودية أن أمن المنطقة ومصالح دولها يمثلان أولوية. ولذلك تظل المملكة حاضرة في المشهد الإقليمي، تتابع التطورات والتحولات السياسية والأمنية، وتتعامل مع الملفات التي تمس الأمن العربي وفق ما تراه منسجما مع مصالح الدول العربية واستقرارها. ويبرز في السياسة السعودية كذلك وضوح المواقف والإعلان عنها بصورة مباشرة. فالمملكة، وفق هذا التصور، لا تسعى إلى ممارسة أدوارها من خلف الستار، وإنما تطرح مواقفها بصورة علنية، وتوضح ما تريده وما تعتبره من مصالحها ومصالح الدول العربية. ويعكس ذلك توجها نحو ممارسة السياسة بصورة واضحة ومباشرة، بعيدا عن الغموض أو المناورات التي قد تؤدي إلى سوء فهم المواقف السعودية.
الدور السعودي في المنطقة للحماية
ولا يعني الدور السعودي في المنطقة السعي إلى احتكار الأدوار العربية أو منع الدول العربية الأخرى من الصعود والمشاركة في صياغة مستقبل المنطقة. فعلى العكس، لا تمانع المملكة في أن تؤدي الدول العربية أدوارا اقتصادية واستثمارية وسياسية متقدمة، وأن تبني شراكات جديدة مع مختلف الأطراف، طالما أن هذه الشراكات تقوم على الوضوح وتحقيق المصالح المشتركة، ولا تؤدي إلى الإضرار بالأمن العربي أو تهديد مصالح الدول العربية. وفي هذا الإطار، تبدو المملكة منفتحة على قيام علاقات اقتصادية واستثمارية جديدة داخل العالم العربي، وعلى تطوير الشراكات بين الدول العربية، بما يساهم في تعزيز القدرات الاقتصادية وخلق فرص جديدة للتنمية. فصعود دولة عربية اقتصاديا أو استثماريا لا يمثل بالضرورة تهديدا للدور السعودي، ما دام هذا الصعود يصب في مصلحة المنطقة ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات.
السعودية تفصل بين المخاصمة والخلافات
كما أن السياسة السعودية لا تقوم على وضع “فيتو” على طموحات الدول العربية أو على أدوارها المستقبلية، وإنما تقوم على ضرورة أن تكون هذه الأدوار واضحة، وأن تنطلق من مصالح الدول وشعوبها، وأن تحافظ على استقلال القرار العربي. فالمملكة، وفق هذا النهج، تستطيع أن تتعامل مع التحولات الإقليمية ومختلف المشاريع والشراكات وفق ما تفرضه مصالحها ومصالح الدول العربية، من دون الحاجة إلى انتظار موافقة أي طرف خارجي. وتتصل هذه الرؤية أيضا بمفهوم المصالح المتبادلة بين الدول العربية. فالسعودية لا تنظر إلى مصالحها باعتبارها منفصلة عن مصالح محيطها العربي، وإنما ترى أن حماية الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني للدول العربية يمكن أن تخدم المنطقة بأكملها. ومن هنا يأتي الاهتمام السعودي برعاية المصالح المشتركة، ودعم الاستقرار، والمساعدة في مواجهة الأزمات التي يمكن أن تؤثر في الأمن العربي.
السعودية والتنافس بين الدول العربية
وفي ظل التنافس الإقليمي والدولي المتزايد على المنطقة العربية، تزداد أهمية الدور السعودي في المحافظة على توازن العلاقات بين مختلف الأطراف. فالمملكة تمتلك علاقات واسعة ومتعددة، وتستطيع توظيف ثقلها السياسي والاقتصادي في خدمة مصالحها ومصالح الدول العربية، مع الحرص على عدم تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات والتدخلات الخارجية. كما أن التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة تمنحها أدوات إضافية لتعزيز حضورها الإقليمي. فالاستثمار والشراكات الاقتصادية والتعاون التجاري يمكن أن تتحول إلى وسائل لدعم الاستقرار وبناء علاقات أكثر ترابطا بين الدول العربية. ومن خلال هذه الأدوات، تستطيع السعودية أن تساهم في خلق بيئة إقليمية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، بدلا من الاقتصار على الأدوات السياسية والأمنية التقليدية.
الرؤية السعودية فوق ردة الفعل
ومن هذا المنطلق، فإن الدور السعودي لا يقتصر على رد الفعل تجاه الأزمات، وإنما يرتبط أيضا بمحاولة بناء علاقات وشراكات طويلة الأمد. فالمملكة تسعى إلى حماية مصالح الدول العربية ومساعدتها عندما تتقاطع هذه المصالح مع أهدافها في الحفاظ على الأمن والاستقرار، مع التأكيد على أن أي تعاون أو دعم ينبغي أن يكون في إطار يخدم الدولة المعنية ويعزز المصلحة العربية المشتركة. وفي النهاية، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية ترى أن الأمن القومي العربي يمثل أساسا لاستقرار المنطقة، وأن حمايته تتطلب سياسة واضحة ومباشرة تقوم على احترام سيادة الدول العربية، ودعم استقرارها، ومواجهة أي محاولات تهدف إلى زعزعة أمنها. وفي الوقت نفسه، لا تبدو السعودية معنية باحتكار الأدوار العربية أو منع الدول الأخرى من تطوير حضورها الاقتصادي والسياسي، بل يمكن أن تتعامل مع صعود هذه الأدوار ما دامت قائمة على شراكات واضحة وتصب في مصلحة المنطقة. وبذلك، يقوم التصور السعودي على الجمع بين حماية الأمن العربي، ورعاية المصالح المشتركة، ودعم الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، مع إبقاء القرار العربي بعيدا عن محاولات الهيمنة أو التدخل. فالمعادلة التي تسعى المملكة إلى تكريسها تقوم على أن لكل دولة عربية الحق في بناء دورها وتحقيق مصالحها، لكن ضمن إطار يحافظ على أمن المنطقة واستقرارها ويضع مصلحة الأمة العربية في مقدمة الأولويات.