أهم الأخبار
الإمارات
الإمارات

كتب الدكتور خالد العزي.. لماذا التصويب على الإمارات؟

لماذا تتحول دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطاب بعض القوى السياسية المناوئة للنظام العربي القائم، إلى هدف دائم لحملات التشويه والاتهامات؟ ولماذا يجري تقديمها في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية وكأنها منشغلة بملاحقة خصومها السياسيين أكثر من انشغالها ببناء اقتصادها وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية؟

الحقد الإخواني القديم

يبدو أن جزءا من الإجابة يرتبط بالصراع السياسي الذي أعقب أحداث عام 2011، عندما حاولت جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، تقديم نفسها بوصفها البديل القادر على ملء الفراغ الذي تركته الأنظمة العربية التي اهتزت أو سقطت خلال ما عُرف بـ”الربيع العربي”. وقد استفادت هذه الجماعات من الغضب الشعبي والأزمات الاجتماعية والاقتصادية، ورفعت شعارات الإصلاح والديمقراطية، قبل أن تدخل في اختبارات السلطة وتواجه سريعا أزمة ثقة مع قطاعات واسعة من المجتمعات التي لم تقتنع بمشروعاتها السياسية أو بطبيعة أنظمة الحكم التي سعت إلى إقامتها.وبعد تراجع هذا المشروع في عدد من الدول العربية، لم تختف المعركة السياسية، وإنما انتقل جزء منها إلى المجال الإعلامي والرقمي. وأصبح التشكيك في الدول التي وقفت في مواجهة تمدد الإسلام السياسي أحد أدوات الخطاب السياسي للخصوم، فيما احتلت الإمارات موقعا بارزا في هذا الاستهداف.

مكانة الإمارات في النظام العربي الجديد

وتعود أهمية الإمارات بالنسبة إلى هذا الخطاب، في جانب منها، إلى أنها تمثل نموذجا عربيا مختلفا. فهي لم تقدم نفسها باعتبارها مشروعا أيديولوجيا عابرا للحدود، وإنما ركزت على بناء الدولة، وتنويع الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز حضورها في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والنقل والخدمات. وهذا النموذج يتناقض، في جوهره، مع مشروع الجماعات التي حاولت تقديم التنظيم السياسي والأيديولوجيا بوصفهما مدخلا لإعادة صياغة الدولة والمجتمع. ومن هنا يمكن فهم سبب تركيز بعض الخطابات المعارضة على الإمارات. فنجاح الدولة في بناء نموذج اقتصادي وسياسي قادر على جذب الاستثمارات والكفاءات وتعزيز حضوره الدولي يضعف، بصورة غير مباشرة، الرواية التي تقول إن المنطقة العربية لا يمكن أن تنهض إلا عبر مشاريع أيديولوجية أو صراعات سياسية مفتوحة.

الشائعات التي تبتكر من أجل التشويه

غير أن اختزال الإمارات في صورة “الدولة التي تلاحق خصومها” يتجاهل حجم التحولات التي شهدتها الدولة خلال السنوات الماضية. فالإمارات منشغلة ببناء اقتصاد أكثر تنوعا، وتطوير قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والفضاء والخدمات اللوجستية، وتوسيع شبكة علاقاتها الدولية. كما أنها تسعى إلى تثبيت موقعها كدولة ذات تأثير في النظام الدولي المتغير، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية وشبكاتها التجارية والاستثمارية.وهذا لا يعني أن الإمارات فوق النقد، أو أن سياساتها تخلو من الخلافات والانتقادات. فالدول، خصوصا تلك التي تمتلك حضورا إقليميا متزايدا، تخضع بطبيعتها للنقد والمساءلة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد السياسي إلى رواية تقوم على التعميم والاتهامات غير الموثقة، أو عندما يجري تضخيم كل حدث وربطه بصورة مباشرة بمؤسسات الدولة من دون أدلة كافية.

الإمارات وتوجهاتها المستقلة ضمن البيئة العربية

كما أن تصوير الإمارات وكأنها لا تملك مشروعا سوى ملاحقة جماعة سياسية محدودة يتجاهل حقيقة أكثر وضوحا: الدول لا تبني مكانتها العالمية من خلال مطاردة خصومها، وإنما من خلال قدرتها على بناء اقتصاد قوي، وإقامة شراكات دولية، وحماية مصالحها، وتعزيز أمنها، وتقديم نموذج قابل للاستمرار. وفي المقابل، تحتاج القوى التي خسرت حضورها السياسي بعد عام 2011 إلى مراجعة أكثر عمقا لتجربتها. فبدلا من تفسير التراجع باعتباره نتيجة مؤامرات خارجية فقط، يبقى السؤال الأهم: لماذا فقدت هذه القوى ثقة قطاعات من المجتمعات التي وصلت إلى السلطة أو اقتربت منها؟ ولماذا لم تستطع تحويل الشعارات التي رفعتها إلى مشروع دولة قادر على إدارة الاقتصاد والمؤسسات وتحقيق الاستقرار؟ إن الاعتراف بفشل تجربة سياسية لا يعني إلغاء أصحابها من الحياة العامة، لكنه يعني ضرورة مراجعة أسباب الفشل. فالشعوب التي خرجت إلى الشوارع في عام 2011 لم تكن تبحث بالضرورة عن استبدال سلطة بسلطة، أو عن نقل الدولة من نظام سلطوي إلى نظام سلطوي آخر بمرجعية مختلفة، وإنما كانت تبحث عن حياة أفضل، ومؤسسات أكثر كفاءة، وعدالة اجتماعية، وفرص اقتصادية، ودولة قادرة على حماية مصالحها.

معارك الإمارات ذات البعد العالمي

ومن هذه الزاوية، تبدو الإمارات اليوم منشغلة بمعركة مختلفة: معركة تثبيت موقعها في التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي والنظام الدولي. فالمنافسة لم تعد محصورة في النفوذ السياسي التقليدي، وإنما أصبحت تدور حول الموانئ وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والاستثمار والقدرة على استقطاب رؤوس الأموال والكفاءات.وهنا تكمن المفارقة. فبينما يصر بعض خصوم الإمارات على إبقائها داخل سردية الصراعات السياسية القديمة، تتحرك الدولة باتجاه ملفات جديدة تحدد مكانة الدول في النظام العالمي المقبل. وهذا لا يلغي الصراع السياسي في المنطقة، لكنه يضعه في سياق مختلف؛ سياق تتنافس فيه الدول على قدرتها على بناء القوة الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية، وليس فقط على السيطرة على المجال السياسي العربي.

الإمارات دولة من ضمن النظام القومي العربي

الإمارات، في نهاية المطاف، دولة عربية ومسلمة، لها مصالحها الوطنية وحساباتها الخاصة، ومن الطبيعي أن تحدد علاقاتها وتحالفاتها وفق ما تراه مناسبا لأمنها واقتصادها ومصالح شعبها والمقيمين على أرضها، وكذلك وفق رؤيتها لمستقبل منطقة الخليج والنظام العربي.ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا “تستهدف” الإمارات خصومها، بل لماذا يصر بعض خصومها على تحويلها إلى مركز دائم في خطابهم السياسي والإعلامي؟ ربما لأن الإمارات أصبحت تمثل، بالنسبة إلى هؤلاء، أكثر من مجرد دولة تختلف معهم في السياسة. إنها نموذج عربي يتقدم في اتجاه مختلف عن المشروع الذي حاولوا بناءه بعد عام 2011. وكلما ازدادت قدرة الإمارات على تثبيت حضورها الاقتصادي والدبلوماسي والتكنولوجي، أصبح من الصعب تجاهل هذا النموذج أو التقليل من أثره. ومن هنا، فإن حملات التشويه، مهما اتسعت، لن تكون العامل الذي يحدد موقع الإمارات في النظام الإقليمي والدولي. العامل الحاسم سيبقى قدرتها على الاستمرار في بناء الدولة، وتنمية اقتصادها، وتوسيع شراكاتها، وتحقيق مصالح شعبها، والتكيف مع نظام عالمي يتغير بسرعة. أما المعارك الأيديولوجية القديمة، فقد تبقى في الخطاب السياسي والإعلامي، لكنها لن تكون وحدها قادرة على تحديد مستقبل المنطقة. فالمستقبل سيحسم بدرجة أكبر في ميادين الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار والدبلوماسية والقدرة على بناء الدولة، وهي ميادين يبدو أن الإمارات اختارت أن تجعلها أساسا لمعركتها المقبلة.

الإمارات
الإمارات

أوكرانيا اليوم

اقرأ المزيد:

كتب د.خالد العزي ..زيادة إمدادات الطاقة الروسية إلى الصين

 

شاهد أيضاً

بودانوف

بودانوف يكشف عن جولة مفاوضات سلام جديدة في أكتوبر بصيغة ثلاثية

أوكرانيا اليوم / كييف / أعلن كيريلو بودانوف، رئيس مكتب الرئيس الأوكراني، أن جولة جديدة …