في “كليلة ودمنة” حكاية أحبّها كثيرًا. منح الأسدُ الأمان لجملٍ تخلّف عن قافلته، فعاش الجمل بجواره يرعى ويسمن. ثم جُرح الأسد في عراكٍ مع الفيل، فلم يعد قادرًا على الصيد، وجاع الجميع: هو نفسه وأصحابه الثلاثة المقرّبون، الغراب والذئب وابن آوى. اقترح الغراب أن يأكلوا الجمل، فرفض الأسد: “لقد أعطيته الأمان”. عندها وجد الغراب طريقة أخرى: “لا حاجة لأن ينقض الأسد عهده، المطلوب أن يعرض الجمل نفسه بنفسه”. فعرض كلٌّ من الثلاثة نفسه على الأسد بالتناوب، وفي كل مرة وجد الآخران سببًا للرفض. ولمّا جاء دور الجمل، قال الشيء نفسه كي لا يبدو جاحدًا. وفي هذه المرة وافق الجميع: “صدقت، أنت كريم ونبيل”.
لم ينقض الأسد الأمان. بل الجمل قَبِل أن يؤكل.
هذه الحكاية ليست عن الخيانة. لا خيانة فيها، بل مجرد إجراء. لا أحد يُلغي الضمانة، بل يتم الالتفاف عليها ببناء مشهدٍ تنطق فيه الضحية بالحكم على نفسها.
في 18 تشرين الأول/ أكتوبر، قال الرئيس زيلينسكي لوكالة “بلومبرغ” إن واشنطن اتخذت “خطوات تهدف إلى إقناع أوكرانيا بالاستسلام”. وسارع إلى التوضيح بأنه لا ينسب هذا الهدف إلى الشركاء، لكنه شدّد على أن الأمر يبدو كذلك تمامًا: تقييد “ستارلينك”، وتأخير صواريخ “باتريوت” التي دفعت أوكرانيا ثمنها سلفًا. الكلمة المفتاحية هنا “إقناع”. لا إجبار ولا تخلٍّ، بل إقناع. ضغطٌ يُراد له أن ينتهي لا باستسلامٍ تحت وطأة القوة، بل بموافقةٍ “طوعية”.وفي الأثناء، يناقش الكرملين مع واشنطن عقد لقاءٍ ثلاثي يجمع بوتين وترامب وشي جينبينغ على هامش قمة “آبيك” في شنتشن في تشرين الثاني/ نوفمبر. ثلاثة حول الطاولة، والحديث عن الحرب في أوكرانيا. أما أوكرانيا نفسها فليست على الطاولة. لا حاجة لأن يُشرح للقارئ العربي معنى أن يُتّخذ القرار بشأنك من دونك. عام 1916: بريطانيا وفرنسا تقتسمان الأراضي العربية (سايكس-بيكو)، وروسيا توافق مقابل حصّتها: ثلاثة، ولا عربي واحد. عام 2018: “اتفاقات التسوية” في جنوب سوريا، وروسيا ضامنتها. بعد ثلاث سنوات، حاصر النظام درعا البلد سبعةً وسبعين يومًا. صمت الضامن أولًا، ثم صار هو نفسه وسيطَ اتفاقٍ جديد، بشروط النظام هذه المرة. و”وافق” السكان. تعرف الدول الصغيرة والمتوسطة أن الأخطر ليس الخيانة المكشوفة، بل تلك اللحظة التي يُقنعونك فيها بأن تسليم نفسك هو خيارك أنت. الألعاب الاستراتيجية نوعان. الأول ألعاب متناهية، يُلعب فيها من أجل الفوز: مباراة شطرنج، انتخابات، مناقصة. جائزتها خارجية ونهائية: انتصارٌ تنتهي بعده اللعبة. والثاني ألعاب لا متناهية، يُلعب فيها كي تستمر اللعبة. والدول تنتمي إلى النوع الثاني. ربحها ليس الخاتمة، بل الحق في مواصلة اللعب، وموقعٌ أفضل للنقلة التالية، والقدرة على اختيار اللعبة نفسها: أن تفرض قواعدك وميدانك وإيقاعك، لا أن تلعب بقواعد الآخرين. ومن هنا المعادلة: اللعبة المتناهية ينبغي ألّا تخسرها، واللامتناهية ينبغي ألّا تخونها.للقوي والضعيف في هذه اللعبة شروطُ انتصارٍ مختلفة. صاغ كيسنجر ذلك بشأن فيتنام: حرب العصابات تنتصر إن لم تُهزم، والجيش النظامي يُهزم إن لم ينتصر. الضعيف يراهن على وجوده، والقوي على مصلحته فحسب، ومع الوقت يتغلّب تفاوتُ الإرادات على تفاوت القوى. لذلك لا يحتاج الضعيف إلى الفوز في لعبة الكبار، بل يكفيه أن يجعل انتصارهم مستحيلًا. لقد حانت لأوكرانيا لحظة الحقيقة، والرهان الأساسي فيها: أن تصير الجملَ أو لا تصيره. ومن الحكاية العربية تُستخلص بضعة دروس واضحة.
أولًا، ألّا تنطق بأقوال غيرك. لم يُهلك الجملَ كلامُ الأسد، بل كلامُه هو، الذي قاله وفق سيناريو كتبه سواه. خط الدفاع الأول ألّا تسمح لأحد بأن يكتب عنك “موافقتك”.
ثانيًا، أن تكون أغلى من أن تُقتسم. ما لا يقاوم يُقتسم بسهولة، وما يعضّ يُقتسم بحذر. حين بدأت روسيا تضرب مراكز البيانات الأوكرانية، ردّت أوكرانيا بضرب مراكز بيانات “ياندكس”. أيّ اتفاقٍ بشأنك من دونك يجب أن يكلّف المتّفقين ثمنًا باهظًا.
ثالثًا، أن يكون لك صوتك الخاص أمام كل أسد. إن كنت لا تصل إلى اللاعبين الكبار إلا عبر الوسطاء، فأنت مفعولٌ به لا فاعل. الفاعل هو من يجلس بنفسه إلى كل طاولة يستطيع بلوغها.
رابعًا، ألّا تعترف باتفاقاتٍ أُبرمت من دونك. رفض اللعب نقلةٌ خاسرة، أما رفض الاعتراف بنتيجةٍ صنعها غيرك فنقلةٌ داخل اللعبة. اتفاق الثلاثة الذي لم يوقّعه الرابع يبقى اتفاقهم وحدهم، لا سلامًا.
وأخيرًا، ألّا تصير مثل من تحاربه. الحرب تتطلب تعبئة كل شيء، لكن إن اختفت في الطريق المؤسساتُ والحرية والقدرة على التجدّد، فقد خسرت اللعبة وإن ربحت الحرب. القوة ليست الجيش وحده، بل القدرة على مواصلة اللعب. غاية الحرب ليست الانتصار الكاسح، بل حالة: سلامٌ أفضل من الذي سبقها. حالةٌ لا يعود فيها أحدٌ قادرًا على أن يقرّر عنك أيّ لعبةٍ تلعب. لم يُؤكل الجمل لأن الأسد نقض عهده، بل لأن الجمل نطق بكلماتٍ كتبها له غيره.

أوكرانيا اليوم
إقرأ المزيد:
أوكرانيا اليوم أوكرانيا اليوم – الصحيفة الأخبارية الأوكرانية العربية – أوكرانيا