جودت هوشيار/ التشكيلة الغريبة المترهلة لحكومة الدكتور حيدر العبادي ، التي ضمت عددا من الساسة الذين اوصلوا العراق الى ما هو عليه اليوم ، واختيار الوزراء الكرد من
دون الرجوع للكرد أنفسهم والبرنامج الوزاري الذي جاء محبطاً ومخيبا للآمال واشبه ما يكون ، بشعارات ووعود أنتخابية خالية من الألتزامات والتوقيتات الزمنية المحددة ، والتلاعب في صياغة ومضمون المطالب الكردية ، كل ذلك دفع بعدد من الساسة والأعلاميين الكرد الى القول ، ان دور الكرد في العملية السياسية في العراق قد تراجع كثيراً عما كان عليه في عام 2010 ، حين توافد قادة الكتل السياسية وممثلي الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة وايران على مدينة اربيل ، عاصمة اقليم كوردستان ، انتظاراً لمبادرة كردية لحل ازمة تشكيل حكومة جديدة ..حيث تكللت جهودهم بتوقيع ( اتفاقية أربيل ) لتقاسم السلطة. في حين ان حكومة العبادي تشكلت ونالت ثقة البرلمان حتى قبل اتخاذ قرار من قبل القيادة السياسية الكردية بالمشاركة في الحكومة الجديدة من عدمها ، وقبل حضور نواب التحالف الكردستاني الى قاعة البرلمان .
حكومة العبادي تشكلت في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد وتحت ضغوط داخلية وخارجية شديدة ، فقد أصرت الولايات المتحدة الأميركية على تشكيل الحكومة الجديدة ضمن الفترة الدستورية المحددة ، وأن تكون جامعة شاملة لا تقصي أحدا ، وتمهد لمصالحة وطنية حقيقية تهدف الى استمالة العشائر والقوى السياسية السنية وعزل داعش ودحره عن طريق تكثيف الضربات الجوية وتقديم الدعم العسكري اللازم للعراق ، وحشد التأييد الدولي لعمل عسكري في العراق وسوريا .
وربطت الولايات المتحدة مساعدتها للعراق بتشكيل حكومة وفاق وطني ، تتبع نهجا سياسياً مختلفا عن النهج الكارثي لحكومة نوري المالكي .
ومن جانب آخر مارست ايران ضغطاً شديدأ لا يقل عن الضغط الأميركي على أطراف التحالف الوطني وعلى العبادي شخصيا من اجل تشكيل حكومة تحفظ المصالح الأيرانية ونفوذها القوي في العراق.
وفي الوقت نفسه حاول المالكي سواء بممارسة الضغوط على أطراف التحالف الوطني الأخرى أوعن طريق الشبكات الموالية له ، التي زرعها في مؤسسات الدولة الحساسة وضع العراقيل أمام تشكيل حكومة العبادي ، بما يضمن له التأثير في صنع القرار من وراء الستار .
نحن هنا لا نبرر دوافع التشكيلة الغريبة لحكومة العبادي التي جمعت الأضداد ، ولكننا نشير فقط الى العوامل التي أدت الى ولادة الحكومة الجديدة على النحو الذي رأيناه ، ولم يكن أمام القوى السياسية المشاركة في الحكومة الجديدة الا الرضوخ للأمر الواقع ، ما عدا الكرد الذين منحوا العبادي مهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ مطالبهم الدستورية وحل المشاكل العالقة بين بغداد وأربيل .
شارك الكرد في حكومة العبادي بتحفظ شديد ، لأنها لا تختلف كثيراً عن حكومة المالكي فهي تضم ممثلي المكونات الرئيسية الثلاثة في البلاد ، ولم يتغير شيء يذكر من الناحية العملية لحد الآن بالنسبة للكرد في الأقل ، حيث لم تطلق الديون و المبالغ المالية المستحقة لأقليم كردستان ، ، وظلت المشاكل العالقة مع اربيل على حالها .
أما المالكي فقد تحصن وراء منصب نائب رئيس الجمهورية ، بعد أن أسند مناصب حساسة في الدولة لأعوانه في سبيل ضمان نفوذه السياسي وتجنب مساءلته عن الأنتهاكات الصارخة للدستور و قمع الحريات العامة والخاصة وتصفية الخصوم السياسيين وزرع وتأجيج العنف الطائفي والتستر على الفساد والفشل الذريع في أداء مهامه كرئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة .
لم يعلن العبادي لحد الآن ادانته لممارسات المالكي ونهجه السياسي الطائفي، ولم يشر مجرد أشارة الى الأخطاء القاتلة ،التي ارتكبها المالكي ، ما يجعل من الصعب الأعتقاد بأن القائمة الطويلة من الوعود التي قطعها العبادي في برنامجه امام البرلمان وبضمنها وعوده بخصوص حل المشاكل التي أفتعلها المالكي مع اقليم كردستان ، ستترجم الى خطوات عملية على ارض الواقع .
وزير النفط الجديد السيد عادل عبد المهدي المعروف بعلاقاته الحسنة مع الكرد ، أقام هذا اليوم – الذي أكتب فيه هذه السطور – دعوى قضائية في الولايات المتحدة لمنع بيع شحنة جديدة من نفط كردستان . اذن ما الذي تغير في وزارة النفط لحد الآن ؟
هيمنة مكون واحد على الحكومة لم تضعف بل تعززت عن السابق .
المالكي لا يزال على راس حزب الدعوة الذي ينتمي اليه العبادي . ومن الناحية العملية فأن حزب الدعوة استطاع ان يضمن اسناد رئاسة الوزراء الى مرشحه الجديد .كما ان وزراء التحالف الوطني اسندت اليهم الحقائب المهمة ، التي تتيح لهم مواصلة السياسة السابقة .