كتبت / أولها سيهيدا
جسّدت الحرب الروسية العدوانية ضد أوكرانيا ملمحًا مهمًا من ملامح العلاقات الدولية المعاصرة، يتمثل في تنامي الاعتماد المتبادل بين الدول في مجالات الأمن الاستراتيجي، ولا سيما الأمن العسكري والغذائي وأمن الطاقة والموارد. وفي هذا السياق، تكتسب المصالح والتهديدات المشتركة أهمية متزايدة في تطوير التعاون المتعدد الأطراف بين أوكرانيا والدول العربية، من الإمدادات الغذائية إلى تبادل الخبرات في مواجهة التهديدات الحديثة، بما في ذلك المسيرات والصواريخ. وهذه ليست مناسبات إعلامية مصطنعة، بل نقاط تماس حقيقية بين أوكرانيا والمجتمعات العربية. وتتعمق أواصر هذا التعاون في وقت تكافح فيه أوكرانيا ليس فقط من أجل الحفاظ على مكانها على الخريطة السياسية العالمية، بل من أجل الدفاع عن مبدأ أساسي في النظام الدولي: عدم جواز تغيير الحدود بالقوة. ومن هنا تكتسب المواقف العربية الداعمة للقانون الدولي أهمية خاصة، عبر التضامن مع أوكرانيا ومن خلال الدعم الإنساني والمادي وجهود الوساطة. لكن المصالح المشتركة، مهما كانت واضحة، لا تتحول تلقائيًا إلى شراكة راسخة ما لم تُبنَ على فهم متبادل وثقة مجتمعية. ومن هنا تبرز أهمية البعد الإعلامي والثقافي في العلاقات الأوكرانية العربية. فقد صار واضحًا أن كسب المعارك في الساحة الجيوسياسية المعاصرة لم يعد مقتصرًا على الميدان العسكري فحسب، بل بات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على بناء جسور التفاهم والثقة مع الشركاء والأصدقاء الدوليين. ومن دون الدخول في تفاصيل مفهوم القوة الناعمة لجوزيف ناي، تجدر الإشارة إلى أن من المهم لأي دولة أن تبني الثقة والتفاهم مع شعوب الدول الصديقة، وأن تخاطبها بلغة الاحترام والمصالح والقيم المشتركة. أتذكر حوارًا دار قبل عدة سنوات خلال ديوانية في إحدى دول الخليج العربي. طرح على شخص متعلم، ومطّلع جيدًا على السياسة الدولية، سؤالًا نابعًا من الرغبة في فهم سبب الحرب التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا: «لماذا كل هذه المعاناة، إذا كان بوسع جارين أن يجلسا إلى طاولة المفاوضات ويتوصلا إلى حل وسط؟». أجبتُه حينها بأن المفاوضات الحقيقية تتطلب أولًا احترام القانون الدولي وسيادة الدول داخل حدودها المعترف بها دوليًا. فما تواجهه أوكرانيا اليوم ليس مجرد «أزمة» أو «نزاع»، بل هو دفاع عن حقها في الوجود، وهو حق تسعى روسيا إلى إلغائه بالحرب والاحتلال والتضليل. لم ألمس في هذا السؤال أي تحيز، بل رأيت فيه انعكاسًا لفجوة معلوماتية أوسع، قد تجد فيها بعض السرديات الروسية فرصة لتقديم الحرب وكأنها مجرد خلاف بين جارين، أو مواجهة بين روسيا والغرب على الأراضي الأوكرانية. ففي عالم اليوم المتسارع، لا يكفي أن تمتلك الحق، بل يجب أن تمتلك أيضًا صوتًا واضحًا ومبادرة لشرح موقفك بصدق وإقناع. وقد أبرز ذلك السؤال الحاجة إلى تقديم الرؤية الأوكرانية للأحداث بصورة أوضح، وتحييد السرديات الروسية المشوهة التي تحاول تصوير روسيا كأنها «تدافع عن نفسها» في أوكرانيا، بينما هي في الواقع تشن حربًا عدوانية على دولة ذات سيادة. لقد شهدت قدرات أوكرانيا في مكافحة التضليل الإعلامي الروسي تطورًا كبيرًا. وفي هذا السياق، اكتسبت المبادرات والمشاريع والاتصالات الأوكرانية العربية ذات الصلة زخمًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، وشملت المستويات الدبلوماسية والمهنية والشعبية. ولا تقل أهمية عن ذلك الحوار المتنامي مع الصحافيين والباحثين والناشطين وقادة الرأي في الدول العربية. فلا يمكن لأي بيان رسمي أن يكون أكثر إقناعًا من صوت محلي موثوق لدى الجماهير وبموازاة ذلك، تعمل أوكرانيا على تعزيز الدراسات العربية، وإعداد جيل جديد من الدبلوماسيين والمحللين الأوكرانيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط من أجل الإصغاء إلى العالم العربي وفهم أولوياته وتصوراته أيضًا، وتطوير الإعلام باللغة العربية، وتنفيذ مشاريع ثقافية ذات صلة. فالفهم العميق والمتبادل ليس عنصرًا ثانويًا في العلاقات الدولية، بل هو أساس أي علاقة استراتيجية ناجحة. وعندما يقوم هذا الفهم المتبادل، لا يبقى التعاون محصورًا في المجال الإعلامي أو الدبلوماسي، بل ينتقل إلى مشاريع عملية تخدم مصالح الطرفين. فأوكرانيا اليوم ليست مجرد دولة تدافع عن أرضها، بل هي فاعل دولي يطوّر رؤية متقدمة في مجالات التكنولوجيا والابتكارات الدفاعية والأمن الغذائي والقدرة على الصمود في مواجهة التحديات الحيوية. ومن هذا المنطلق، فإن الهدف الأساسي للاستراتيجية الأوكرانية تجاه العالم العربي ينطلق من رغبة صادقة في بناء تعاون مستدام، ليمتد من الإدراك المجتمعي المتبادل إلى مشاريع تخاطب الأولويات التنموية والأمنية المشتركة. وبالعودة إلى ذلك الحديث غير الرسمي في الديوانية، فإن تعميق حوارنا الاستراتيجي مع العالم على أساس الثقة والفهم المتبادل والقيم الإنسانية المشتركة يساعد على نقل السؤال من: كيف نرضي مطامع دولة معتدية؟ إلى: كيف نعيد سلامًا عادلًا لا يفتح الباب أمام حروب جديدة؟
كييف، ٩ يونيو ٢٠٢٦

أوكرانيا اليوم
اقرأ المزيد:
وجهة نظر أوكرانية: هل ضرب إيران أصبح وشيكا؟
أوكرانيا اليوم أوكرانيا اليوم – الصحيفة الأخبارية الأوكرانية العربية – أوكرانيا